السيد محمد تقي المدرسي

230

من هدى القرآن

ولكننا نحن المسلمين لا زلنا بعيدين عن القرآن ، بالرغم من هذه التأكيدات ، وبالرغم من تجربتنا معه ، أوليس قد أنقذنا من ظلمات الجاهلية ، وشيَّد لنا حضارة كانت ولا زالت منارا للبشرية ، فلماذا هجرناه حتى عاد بيننا غريبا ؟ أفكارنا لا تشير إلى بصائره ، وسلوكنا لا يستوحى من قيمه . وبكلمة : خسرنا كرامة القرآن وعزه ، ولا يزال يدعونا إلى مأدبته وكرامته ، بيد أننا لن نبلغه إلا بسعي منا ، ذلك لأنه كما يصفه الله عز وجل : فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ فلا بد إذن أن نستظهره كما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله « 1 » ، ونستنطقه كما يقول الإمام علي عليه السلام ، حتى نطلع على مكنونه ، فهو بالرغم من اشتماله على تبيان لكل شيء لن ينطق ، « ذَلِكَ القُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ ولَنْ يَنْطِقَ ، ولَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ أَلَا إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي والحَدِيثَ عَنِ المَاضِي ودَوَاءَ دَائِكُمْ ونَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ » « 2 » ، وقد أراد الإمام عليه السلام من قوله : « ولَنْ يَنْطِقَ » أننا لن نقرأ في ظاهر القرآن كل المناهج الحضارية للحياة ، ولا مضامينه العلمية ، إنما نجدها بالتفكير والتدبر في آياته ، الذي يفتح لنا كُنْهَ الذكر الحكيم ويبصرنا محتوياته وتأويلاته الواقعية في جوانب الحياة المختلفة ، والعقل إذا أُعْمِل على هدى الآيات والسنة والعلم الصحيح هو مفتاح القرآن . قال تعالى : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ آل عمران : 7 ] ، وقال : وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [ العنكبوت : 43 ] ، وقال : كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ ص : 29 ] . ولأننا تعودنا على الأفكار الجاهزة ، ولأن العملية الفكرية عملية مجهدة ، ولأن مناهجنا في فهم القرآن وتفسيره متخلفة وخاطئة في أغلبها ، فلازلنا بعيدين عن الثقافة القرآنية التي نحتاجها في حياتنا الفردية والاجتماعية ، ولم ننتفع عمليًّا بالرغم من الحاجة الملحة إليها . وما أشبه حالنا بظمآن يجري بقربه نهر فرات لم يكتشفه ، أو فقير تحته كنز كبير ! . ولا يفوتنا القول بأن من معاني مَكْنُونٍ محفوظ ، لم ولن تصل إليه يد التحريف ، ولن يطفئ نوره المشركون ولا الكافرون . وقال بعض المفسرين : إن معنى الآية أنه كتاب محفوظ عند الله ، والكتاب هنا كتاب في السماء « 3 » . . ولكن يبدو أن الآية التالية تفسر هذه الآية ، فهو مكنون عن غير المطهرين .

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 28 ، ص 13 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 32 ، ص 546 . ( 3 ) تفسير القرطبي : ج 17 ، ص 224 .